أبو حامد الغزالي
88
تهافت الفلاسفة
القديم بالاتفاق بأحد الممكنين فغاية المستبعد أن يقول : العالم مخصوص بهيئات مخصوصة ، كان يجوز أن يكون على هيئات أخرى بدلا منها ، فيقال : وقع كذلك اتفاقا ، كما قلتم اختصت الإرادة بوقت دون وقت ، وهيأة دون هيأة ، اتفاقا ، وإن قلتم : أن هذا السؤال « 1 » غير لازم ، لأنه وارد على كل ما يريده الباري ، وعائد على كل ما يقدره ، فنقول : لا ، بل هذا السؤال لازم ؛ لأنه عائد في كل وقت وملازم لمن خالفنا على كل تقدير . قلنا إنما وجد العالم حيث وجد ، وعلى الوصف الذي وجد ، وفي المكان الذي وجد ، بالإرادة ؛ والإرادة صفة من شأنها تمييز الشئ عن مثله ، ولولا أن هذا شأنها ، لوقع الاكتفاء بالقدرة ، ولكن لما تساوت نسبة القدرة إلى الضدين ولم يكن بد من مخصص يخصص الشئ عن مثله ، فقيل : للقديم - وراء القدرة - صفة من شأنها تخصيص الشئ عن مثله ، فقول القائل : لم اختصت الإرادة بأحد المثلين ؟ كقول القائل : لم اقتضى العلم الإحاطة بالمعلوم على ما هو به ؟ فيقال : لأن العلم عبارة عن صفة هذا شأنها ، فكذا الإرادة عبارة عن صفة هذا شأنها ، بل ذاتها تمييز الشئ عن مثله . فإن قيل : إثبات صفة شأنها تمييز الشئ عن مثله غير معقول ، بل هو متناقض فإن كونه مثلا معناه أنه لا تميز له ؛ وكونه مميزا معناه أنه ليس مثلا ؛ ولا ينبغي أن يظن أن السوادين في محلين متماثلان من كل وجه ، لأن هذا في محل ، وذاك في محل آخر ، وهذا يوجب التميز ، ولا السوادين في وقتين في محل واحد متماثلان مطلقا ، لأن هذا فارق ذلك في الوقت ، فكيف يساويه من كل وجه ؟ ! وإذا قلنا : السوادان مثلان ، عنينا به في السوادية مضافا إليهما على الخصوص لا على الإطلاق ، وإلا فلو اتحد المحل والزمان ولم يبق تغاير ، لم يعقل سوادن ، ولا عقلت الأثنينية أصلا .
--> ( 1 ) يعنى قولهم : فالسؤال عن اختصاص الإرادة وأنها لم اختصت ؟